عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
210
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وحكى : أن بعض أهل القيروان اكتال طعاما في شكارة « 1 » على أن يدفعه للشيخ أبي سعيد ، فجعله في بيت وقفل عليه واشتغل عنه ، فبينما هو يسير ذات يوم ، لقيه الشيخ فقال له : أين الطعام الذي جعلته في الشكارة برسمي ؟ فقال له : نعم ودفعه إليه . وفضائله كثيرة عمّر عمرا طويلا حتى أقعد ، ومات رحمه اللّه بالقيروان سنة أربع عشرة وستمائة رحمة اللّه عليه . 326 - ومنهم أبو عبد اللّه محمد بن علي بن عبد اللّه الأنصاري المشهور بالدباغ : قال : هو والدي رحمه اللّه ، كان من كبار العبّاد ، وأفاضل الزهاد ، وأهل الجد والاجتهاد ، كثير سرد الصوم والصلاة بالليل والناس نيام ، مع حزن دائم ، وخوف مقلق ، وكثرة نحيب وبكاء ، وملازمة الجوع والعطش ، ساح في البلدان ، وخرج عن الأوطان ولقي العباد والبدلاء والأوتاد . سمعت منه أنه قال : لقيت سبعين شيخا من شيوخ القوم آخرهم أبو مدين شعيب بن موسى الأندلسي ، وأبو عبد اللّه الهواري ، كان مولده في حدود الأربعين وخمسمائة ، فلما بلغ عشرين سنة أخذ في سلوك طريق الإرادة ومنهج العبادة ، ولم يزل في الجد والاجتهاد حتى مات ، ولقد رأيته يتهجد وهو قد ناهز الثمانين حتى يسقط من طول القيام ثم يعود إلى القيام حتى الصباح ، وكان يبكي حتى تقرحت عيناه ، وربما يمرّ بالآية في تهجده فيكررها إلى طائفة من الليل ، وكان في أكثر شهور رمضان يسدّ عليه الباب فلا يأكل ولا يشرب حتى إلى يوم الفطر . قلت : محمله على أنه تصلي معه زوجته أو هي مع غيرها بصلاته ، وعلى إنما المراد بالباب باب الدار ، ليكون معه فيها بئر يتوضأ منها وما يزيل عنه الحدث واللّه تعالى أعلم . قال : وكان من أشد الناس صبرا على الجوع ، وكان مع هذا لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على قلة أنصار الحق ، وكان مع زهده في الدنيا أزهد الناس في الجاه وأكثرهم تواضعا للصغير والكبير ، كثير الصّولة على أهل الظلم ولا سيما الولاة ما داهن أحدا قط ، ولا شاب عمله برياء ، ولا ادخر مالا ، ولا سعى لطلب رئاسة ، ولا آثر على اللّه أحدا من أهل ولا مال ، وله مناقب
--> ( 1 ) شكارة : المحفظة .